عبد القاهر الجرجاني

136

دلائل الإعجاز في علم المعاني

ولا " الذي يسكن في محلّة كذا " ، كقولك : " هذا يسكن محلة كذا " ، وليس ذاك إلا أنّك في قولك : " هذا قدم رسولا من الحضرة " مبتدئ خبرا بأمر لم يبلغ السامع ولم يبلّغه ولم يعلمه أصلا وفي قولك : " هذا الّذي قدم رسولا " ، معلم في أمر قد بلغه أنّ هذا صاحبه ، فلم يخل إذن من الذي بدأنا به في أمر الجملة مع " الذي " ، من أنه ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها فاعرفه ، فإنه من المسائل التي من جهلها جهل كثيرا من المعاني ، ودخل عليه الغلط في كثير من الأمور ، واللّه الموفّق للصواب . فروق في الحال لها فضل تعلّق بالبلاغة اعلم أنّ أوّل فرق في الحال أنها تجيء مفردا وجملة ، والقصد هاهنا إلى الجملة . وأوّل ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع " الواو " وأخرى بغير " الواو " ، فمثال مجيئها مع الواو قولك : " أتاني وعليه ثوب ديباج " ، و " رأيته وعلى كتفه سيف " ، و " لقيت الأمير والجند حواليه " ، و " جاءني زيد وهو متقلّد سيفه " ، ومثال مجيئها بغير " الواو " : " جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه " و " أتاني عمرو يقود فرسه " ، وفي تمييز ما يقتضي " الواو " ممّا لا يقتضيه صعوبة . والقول في ذلك أنّ الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر ، فالغالب عليها أن تجيء مع " الواو " كقولك : " جاءني زيد وعمرو أمامه " و " أتاني وسيفه على كتفه " : فإن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال ، لم يصلح بغير " الواو " البتة ، وذلك كقولك : " جاءني زيد وهو راكب " و " رأيت زيدا وهو جالس " ، و " دخلت عليه وهو يملي الحديث " و " انتهيت إلى الأمير وهو يعبّئ الجيش " ، فلو تركت " الواو " في شيء من ذلك لم يصلح . فلو قلت : " جاءني زيد هو راكب " ، و " دخلت عليه هو يملي الحديث " ، لم يكن كلاما . فإن كان الخبر في الجملة من المبتدأ والخبر ظرفا ، ثم كان قد قدّم على المبتدأ كقولنا : " عليه سيف " و " في يده سوط " ، كثر فيها أن تجيء بغير " واو " . فمما جاء منه كذلك قول بشّار : [ من الطويل ] إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها * خرجت مع البازي عليّ سواد " 1 "

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ، وأورده القزويني في الإيضاح ( 170 ) ، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات ( 136 ) . أنكرتني : لم تعرف قدري ، نكرتها : كرهتها البازي : الصقر وهو يعني خروجه في سواد الليل .